أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

38

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وتقدّم الكلام على « أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ » في البقرة « 1 » . وفي « رِضْوانٌ » لغتان : ضمّ الراء وهي لغة تميم ، والكسر وهي لغة الحجاز ، وبها قرأ العامة إلا أبا بكر عن عاصم فإنه قرأ بلغة تميم في جميع القرآن ، إلا في الثانية من سورة المائدة ، وهي : مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ « 2 » فبعضهم نقل عنه الجزم بكسرها ، وبعضهم نقل عنه الخلاف فيها خاصة . وهل هما بمعنى واحد أو بينهما فرق ؟ قولان : أحدهما : أنهما مصدران بمعنى واحد لرضي يرضى . والثاني : أنّ المكسور اسم ومنه : رضوان خازن الجنة صلّى اللّه على نبينا وعلى أنبيائه وملائكته ، والمضموم هو المصدر . و « مِنَ اللَّهِ » صفة لرضوان . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 16 إلى 17 ] الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 16 ) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ ( 17 ) قوله تعالى : الَّذِينَ يَقُولُونَ : يحتمل محلّه الرفع والنصب والجرّ ، فالرفع من وجهين : أحدهما أنه مبتدأ محذوف الخبر ، تقديره : الذين يقولون كذا مستجاب لهم ، أو لهم ذلك الجزاء المذكور . والثاني : أنه خبر مبتدأ محذوف ، كأنه قيل : من هم هؤلاء المتقون ؟ فقيل : الذين يقولون كيت وكيت . والنصب من وجه واحد ، وهو النصب بإضمار أعني أو أمدح ، وهو نظير الرفع على خبر ابتداء مضمر ، ويسمّيان الرفع على القطع والنصب على القطع . والجرّ من وجهين : أحدهما : النعت . والثاني البدل ، ثم لك في جعله نعتا أو بدلا وجهان : أحدهما : جعله نعتا للذين اتقوا أو بدلا منه . والثاني : جعله نعتا للعباد أو بدلا منهم . واستضعف أبو البقاء جعله نعتا للعباد . قال : « لأنّ فيه تخصيصا لعلم اللّه تعالى ، وهو جائز على ضعفه ، ويكون الوجه فيه إعلامهم بأنه عالم بمقدار مشقتهم في العبادة فهو يجازيهم عليها كما قال : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ « 3 » . والجملة من قوله : « وَاللَّهُ بَصِيرٌ » يجوز أن تكون معترضة لا محلّ لها إذا جعلت « الَّذِينَ يَقُولُونَ » تابعا للذين اتقوا نعتا أو بدلا ، وإن جعلته مرفوعا أو منصوبا فلا . قوله تعالى : الصَّابِرِينَ إن قدّرت « الَّذِينَ يَقُولُونَ » منصوب المحل أو مجروره على ما تقدّم كان « الصَّابِرِينَ »

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 25 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 16 ) . ( 3 ) سورة النساء ، آية ( 25 ) .